كيف تحول الفن من تماثيل مايكل أنجلو لموزة في معرض ماوريزيو كاتلان؟

في 2019، حصل جدل كبير بعد ما ظهر عمل فني في معرض الفنان الإيطالي ماوريزيو كاتلان، هو عبارة عن موزة ملصوقة على الحيطة، وبدأ الناس يسألوا نفسهم ازاي ده يعتبر فن.

بدأت المقارنات بين الموزة وتمثال ديفيد للفنان مايكل أنجلو من عصر النهضة، وظهر التساؤل: ازاي الفن اتحول من الجمال والمثالية للعبث ده؟

علشان نفهم ازاي الفن اتحول من تمثال ديفيد لموزة ماوريزيو كاتلان، لازم نفهم الأول يعني إيه فن، وبالتالي لازم ناخد رحلة في التاريخ مع الفلاسفة اللي حاولوا يفسروا الفن والفنانين اللي عملوه.

السؤال الخالد: ما هو الفن؟

السؤال ده شغلنا من فجر التاريخ، ويعتبر الفيلسوف اليوناني أرسطو أول إنسان وصلت لنا أفكاره، وحاول تقديم تعريف واضح للفن في كتابه (فن الشعر).

عن: youm7

اعتبر أرسطو الفن مُنتج محتاج موهبة وإبداع من الفنان، وإن هدفه توصيل رسالة للمشاهد، أو إنه يخليه يحس بحاجة معينة..وقال إن الفن لازم يكون جميل، وحط قواعد صلبة للجمال من وجهة نظره، منها تناسق كل عناصر العمل الفني.

عبر الفن اليوناني وقتها عن الجمال المثالي من خلال تماثيل رياضيين أجسامهم متناسقة، أو لوحات واقعية لمناظر حياتية بتناسق شديد للألوان والمكونات.

تمثال ديفيد، عن: bbci

وفضلت المثالية الجمالية دي ممتدة لحد عصر النهضة في أوروبا، واللي من أشهر منتجاته الفنية تمثال ديفيد للفنان الايطالي مايكل أنجلو.

ورسمة رجل فيتروفيان، للفنان العبقري ليوناردو دافنشي، لرجل عاري داخل دايرة ومربع، وبتدمج ما بين الفن والرياضة في تعبير عن النظرة المثالية للجمال والتناسق، من خلال معادلات رياضية.

فريدريك نيتشه والفن الحر

ولحوالي ألفين سنة، فضل الفلاسفة يضيفوا لقواعد ومبادئ أرسطو الصلبة في مفهوم الجمال اللي لازم الفن يلتزم به.

وبعد كده، جيه الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه في القرن الـ 19، واللي كان متمرد على العادات والتقاليد، ومؤمن بالحرية المطلقة للإنسان.

اعتبر نيتشه في كتابه (هكذا تكلم زرادشت)، إن الفن هو وسيلة تعبير عن الإرادة الإبداعية للإنسان، وقال إن الجمال هو الجمال الروحي اللي بيعبر عنه كل فرد بطريقته الخاصة.

فتح نيتشه الباب لمفهوم الحرية في التعبير الفني، واعتبر إن الفن مش لازم يكون مقيد بالقواعد والتقاليد، وإنه لازم يكون حر علشان يخدم دوره كوسيلة للتحرر من قيود وقيم المجتمع.

وظهرت تحت تأثير فلسفته حركات فنية جديدة، اتحررت من كل قيود الفن القديمة؛ زيّ الفن الحديث اللي مثله بابلو بيكاسو، وأشهر لوحاته لوحة (الجورنيكا) اللي عبرت عن المعاناة من خلال تكسير وتشويه عناصر اللوحة.

عن: youm7

وظهر الفن السريالي، اللي من أهم روداه سلفادور دالي، ولوحته (ثبات الذاكرة)، وفن دالي الغريب والعبثي بيعتمد على نظرية التحليل النفسي والغوص في الأحلام واللاوعي.

الفن ما بعد الحداثة

دخلنا القرن العشرين اللي عاش فيه العالم رعب كوني وإحساس بنهاية العالم، بسبب الحربين العالميتين وفزع القنبلة النووية والحرب الباردة.

الرعب والصدمات الشنيعة اللي عاشها الناس بسبب كوارث الحربين العالميتين خلت العالم كله مضطر يعيد ترتيب أوراقه في كل حاجة، حتى الفلسفة والثقافة والدين والفن.

كل حاجة بدأت تتغير، ومعاها اتغيرت الدوافع الإبداعية والتعبيرات الفنية، وظهرت الفلسفة الوجودية (Existentialism)، اللي ركزت على الوجود الإنساني واعتبرته مركز الكون، وإنه مسؤول من خلال اختياراته عن حياته ومصيره.

ومن هنا بدأ يظهر اتجاه جديد، بيدي الفرد حرية كاملة في تحديد مفهوم الجمال والفن، وبدأ يظهر فن عبثي بيعبر عن إحساس الفنانين في الوقت ده بصدمة ما بعد الكرب بسبب مشاهد الحربين العالميتين، وإحساسهم إن كله عبث في عبث وإن الحياة مالهاش قيمة أبعد من المادة والوجود الإنساني.

وفي كتاب (الفن والمكان)، اللي كتبه مارتن هايدغر في خمسينيات القرن العشرين، اعتبر إن الفن هو وسيلة للتعبير عن الوجود والتجربة الإنسانية، وإنه بيعبر عن العلاقة بين الإنسان والعالم المحيط به، وأكد إننا مانقدرش نفهم الفن بشكل منفصل عن الثقافة والتاريخ والمجتمع المحيطين بالمنتج الفني.

وظهرت في النص التاني من القرن العشرين فنون اتأثرت بتعريف مارتن هايدغر وبالرأسمالية ونزعات العالم الحديث المادية والاستهلاكية، زيّ فن البوب (Pop Art) والفن العقلاني (Conceptual art).

Campell’s soup cans، أندي وارهول، عن: mtltimes

عبر فن البوب عن الحاجات العادية في حياتنا باعتبارها فن، زيّ أعمال الفنان الأمريكي أندي وارهول وسلسلة لوحاته المشهورة (علبة شوربة كامبلز – Campells soup Cans).

أما الفن العقلاني، فحاول يعبر عن الفكرة بغض النظر عن الجمال أو المادة المستخدمة، ومنها العمل الفني بتاع جوزيف كوسوث (واحد وثلاثة كراسي)، و(هذا ليس غليونًا) لرينيه ماجريت.

هذا ليس غليونًا، This is not a pipe، عن: renemagritte

وكلها أعمال بنلاحظ فيها تأثير الفلسفة الوجودية اللي بتبحث في الوجود المادي والمعنوي للأشياء، وفيها سخرية من معنى الفن التقليدي، زي رينيه ماجريت اللي رسم غليون وكتب عليه “هذا ليس غليونًا” أمال ده إيه؟ ده رسمة غليون.

وفي الآخر نوصل لموزة ماوريزيو كاتلان، ونقدر نقول إنها من الفن العقلاني اللي بياخد حاجة عادية جدًا “الموزة” ويحطها في سياق جديد “معرض فني” ويسيب الناس تفكر وتطلع بانطباعات مختلفة عنها.

في النهاية، إيه هو الفن؟ الفن مش مفهوم واحد له ملامح واضحة، ولكن فكرة بتتغير طول الوقت وعلى حسب السياق التاريخي والثقافي اللي الناس عايشة فيه.

آخر كلمة: ماتفوتوش قراءة: ثلاثية الفن والسياسة والدين: رحلة امتزاج الفن المصري القديم بالفن اليوناني

تعليقات
Loading...