درب من دروب الخيال: الإذاعة المصرية عندما تبدع في صورها الغنائية

قدمتها وأبدعت فيها الإذاعة المصرية في الأربعينات لتصبح شكل من أشكال التراث الإذاعي، تلخص فيها مشاهد بسيطة ربما يعيشها الناس في حياتهم اليومية دون أن يلمسوا بريقها، فولدت من الأغاني والموسيقى مع دمجها في سياق درامي لتفتح أمام الجمهور درب من دروب الخيال، مع كلماتها القادرة على مخاطبة كل عصر بمشاركة كبار الملحنين والمؤلفين، اكتشاف نادر من نوادر الإذاعة لم أسمع عنه إلا بالصدفة، فتهيأ معنا وأخفض الإضاءات من حولك لتستمع لبعض الصور الغنائية وتعيش مع كلًا منهم حالة مختلفة.

قسم

حارة الكحكيين حيث يقطن رجل على قد الحال يدعى مرزوق، يعمل في تصليح الأحذية على رأس الحارة، جيرانه وأصحاب المحال لا يحسدوه على غناه لإنه لا يملك إلا قوت يومه وحبه لأسرته، ولكن يحسدوه على راحة باله وأغانيه التي يرددها أثناء عمله برغم حمله الكبير، فعلى مدار الصورة الغنائية وأنت تستمع لصوته في الخلفية وهو يدندن:” إن طال عليا الليل أقصره بغنوة واصبر على الويل بكلمتي الحلوة”

مروزق رغم قلة حيلته ولكنه يرى النعم في أبسط الأشياء بكلمة ” الحمدلله” وفي استقبال أولاده ” بندق وجلجل وعتريس وشوق وبسبسة” له بعد يوم شاق وهم يرددون بالطعام الذي أحضره لهم “حتة جنبة قديمة تبقى الأكلة عظيمة.. حتة فول حراتي يبقى الأكل ذواتي”

وفي يوم خرج بسلطانية ليحضر فيها فول لأولاده، لكن أعداءه استكتروا عليه رزقه القليل فقرروا طرده بالعصيان والنبابيل من الحارة، ليهرب ويجد نفسه أمام سفينة تقلع إلى بلاد الشام، فما كان منه إلا وضع السلطانية فوق رأسه وذهب فى محاولة لجلب الرزق، غرقت السفينة ولم ينج سواه، ومن ثم يجد نفسه فوق جزيرة ليلتف حوله أهلها ويسألوه عن هدايا، وليخلص نفسه لم يجد معه إلا السلطنية ليهديها لملكهم، فكيف ستصبح السلطانية رمز لحكايته؟ وكيف تقدم لنا هذه الصورة المعنى الذي طالما كان يردده مرزوق “هو في حد بياخد رزق حد؟”.. ماعليك إلا أن تستمع للحكاية لتعرف ماذا حدث لمرزوق وللسلطانية.

الخبازين

مباراة غنائية لا تتعدى عشرون دقيقة، بين محمد الطوخي ومحمد علوان ولطفي عبد الحميد تصف لك ما يدور بين الخبازين في سهرة ليلية امتدت لأذان الفجر في المخبز، سهرة تبدو مليئة بضغوطات العمل، ومعها ستستمع لأغاني بصوت أحمد عبد القادر صاحب أغنية “وحوي يا وحوي”.

وبشعر ونظم مرسي جميل عزيز ستدخل معهم في هذه السهرة وهذا اليوم الطويل المنهك، وتستشعر معاناتهم اليومية والليلية بصوت أسطى عطية وهو يقول “سبحانه في قدرته حاكم وله أسرار .. مهما العقول تغتنى في حكمته تحتار.. حكم علينا الليل بطوله يفوت علينا نهار.. واحنا اللي نشقى على قوتنا وقوت الغير، ولقمة العيش نقدرها بمياه ونار .. العيش بيتحكم فينا وهو في إيدينا عجينة”

وتستمع لمناجاتهم الليلية لتمرير ساعات العمل الطويلة وللتعجيل بالطلبية” يا سلام على الليل وحلاوته بيمر أوام وبتحلى شقاوته، طب والمتجلي ده أحلى تجلي.. هو أنا بسمع بأيديا بس أنتوا لاحقو عليا..قول للخراط في المعجن شهل لا الفجر هيدن” ليقدموا في هذه الصورة الصغيرة معاني كفاح ملخصها “الناس بتحلم في بيوتها واحنا اللي نسهر على قوتها”.

فانوس رمضان

عم فانوس رجل بسيط أخد صنعته جدًا عن أب، سنويًا يقوم بتطوير شكل الفوانيس حتى وصل لصناعتها بالكهرباء، وفي محله المتواضع في شارع نور الظلام يأتي له صديقه عبد الودود في ليلة رمضان ومن ثم تطول الجلسة وتحلو القعدة، ليجد عم فانوس نفسه يحكي عن تاريخ فوانيس رمضان وأصل الاحتفالات وكلمة “وحوي يا وحوي” من كتاب تاريخي ورثه أيضَا “جدًا عن أب”

فيعود بالزمن ويقرأ الكتاب الذي يوضح أن أول فانوس صنع في عهد الدولة الفاطمية من الزجاج المزركش، وكان يعمل بالزيت، ويستقبل به الأهالي لشهر رمضان من خلال موكب الخليفة المأمون الذي يقود البلد إلى مكان مرتفع لاستطلاع هلال رمضان، وبعد ثبوت الرؤية يعود الناس إلى الشوارع ليبدأوا الاحتفال بالفوانيس مع الأطفال بأغنية “وحوي يا وحوي” والتي فسرها الكتاب بمعنى الإحاطة، أي أن الأطفال يحيطون بالرجال القادمين من الموكب، وتلك كانت عادة في عيد الوقود حيث يحتفلون فيه بالأيام المباركة، ولأن أيام رمضان كلها مباركة صارت العادة طيلة الشهر وخص بها الأطفال.

يتخلل الحكاية التي يرويها عم فانوس حديثه ومناكفاته مع زوجته عن مشتريات رمضان، فإذا أردت أن تدخل في تلك الأجواء عليك بحكاية عم فانوس.

ميلاد الجمهورية العربية المتحدة

في وقت العدوان الثلاثي على مصر خرجت الإذاعة السورية لتعبر عن تضامنها مع مصر بعبارتها الشهيرة “من دمشق هنا القاهرة” لتعود الإذاعة المصرية وترد لها الجميل وتحتفل على طريقتها الخاصة بقيام الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا، من خلال الصورة الإذاعية التي نقلت أجواء الشارع المصري والقهاوي وأصوات الزغاريد.

وذلك بأغاني بلهجات المحافظات المختلفة، الصعيدي والقاهري والفلاحي، مقطع يسلم مقطع بصوت سعاد مكاوي وسيد إسماعيل ومحمود شكوكو ومحمد رشدي وإبراهيم حمودة الذي ختمها باللهجة البورسعيدي.

فتستمع لجمل كل جملة تنقلك لمحافظة مختلفة ” من ميتى يا بوي كنا اتنين ماخبرش يا بوي دي جابوها منين.. صدقني يا بوي احنا روح واحدة بجسدين .. السوري أخوي وصاحب الدار أقرب لي يا بوي من أول جار.. جبر يلم الاستعمار هو اللي عملنا بلدين” .. ” يا بواور الساعة ١٢ يا جاي من الصعيد وديني دمشق أوام .. ما بقينا جمهورية جمعت مصر وسوريا.. أمي من الاذقية وأبويا من بورسعيد”

علي بابا والأربعين حرامي

يجوز قرأت عنها في الأساطير والحكايات الشعبية أو شاهدت فيلمًا لها، ولكن هل اختبرت أن تستمع للقصة من خلال أوبريت غنائي بموسيقى تصف لك الحالة ومعها تختبر مشاعر جديدة؟ على ربابة همام ستسمع للقصة مع زبائن القهوة، فالحكاية يا سادة عن حطاب يدعى “علي بابا” يملك من الديون أطنان، وأخوه قاسم لا يصبر على دفع الأجرة.

ولكنه استطاع أن يحصل أو يسمع عن طريق الصدفة على كلمة السر التي فتحت له مغارة الكنوز التي يخبئها اللصوص، وبفضل هذه الكلمة “افتح يا سمسم” التي صارت مضربًا للمثل، استطاع أن يحصل على كنوز المغارة وأصبح “علي بابا بعد الضنا لابس حرير في حرير، دفع ديونه وبنى له قصر عالي كبير عنده دهب الخدم والحشم بالكيل”، القصة تضمنت عدة دلالات ومعاني أنه وربما النجاحات العظيمة في الحياة، قد تأتي من مجرد فرصة بسيطة وعابرة.

ومع نهاية حكاية علي بابا وافتح يا سمسم.. ما الصور التي تحمست من حكايتها وتريد سماعها؟

آخر كلمة: ماتفوتوش قراءة: بتطور الأزمنة والتكنولوجيا .. لماذا نقع في فخ الأخبار…

تعليقات
Loading...