مصدر الإلهام: من داخل أستوديو تسجيل المهرجان الشعبي

احتلت المهرجانات الشعبية مساحة مهمة في المشهد الموسيقي المصري خلال العقد الماضي، وهي نوع مزيكا بدأ من قلب الطبقات الشعبية البسيطة في الشارع المصري ذو التركيبة الاجتماعية المعقدة.

صناعة المهرجان الشعبي بتتم في مصر بالكامل وبيحمل كل ملامح الشخصية المصرية، وإذا اختلفنا في تقييمنا الفني وذوقنا الموسيقي بخصوص النوع ده من المزيكا، هل نقدر نختلف إنه صناعة مصرية بالأساس؟

اكتسب المهرجان الشعبي اعتراف عالمي بالتميز من خلال استخدام المخرج المصري، محمد دياب، مهرجان الملوك لأحمد سعد وعنبة ودوبل زوكش في تتر مسلسل مارفل الأخير Moon Knight، وكشف دياب إن أغنية العبد والشيطان للوايلي كانت واحد من اختياراته لتتر المسلسل قبل ما يقرر يستخدم أغنية الملوك.

في فيديو “مراجعة المهرجانات” لليوتيوبر المصري هادي بسيوني، بيقول إن المهرجان بدأ بمقطوعات بسيطة اسمها الموالد، زيّ مولد المجنونة ومولد الإسعاف، واللي ظهرت قبل 2011.

والموالد كانت موسيقى ذات نغمات beats قصيرة وبتتكرر في التراك، وكان هدفها إنها ترقص بس، وعلشان الـ beats قصيرة وبسيطة وبتتكرر بدأ يبقى اسمها في المدن “لوب” من Loop، ومع الوقت اتضافت للوب كلمات بسيطة هدفها برضه إنها ترقص اللي بيسمعها علشان يهيص، ومثال على النوع ده هو مولد “سمكة على بلطية“، واللي نزل تقريبًا 2011 أو قبل كده بشوية.

مع الوقت أتحولت الموالد واللوبات اللي هدفها إننا نهيص ونرقص لمساحة يقدر يحكي فيها الفنان الشعبي عن قصص الشارع اللي بيعيشها يوميًا، مع شوية مبالغة فنية مافيش مهرب منها.

اتطورت المزيكا دي مع الوقت وبقى لها ملحنين وشعراء ومخرجين وبقوا بيعملوا مزيكا موزونة، وبيحققوا أرقام كبيرة على اليوتيوب، ومطلوبين في الحفلات والمهرجانات الموسيقية الكبيرة في الوطن العربي كله، ودخلوا مجال الإعلانات بقوة. ومن هنا بدأت مشاكل المزيكا الشعبي مع نقابة الموسيقيين من أول مهرجان “بنت الجيران” وما بعده، وقت ما أظهرت النقابة نقد حاد للمحتوى اللي بتقدمه المهرجانات.

من داخل منبع المهرجان الشعبي: ازاي المزيكا دي بتتعمل؟

علشان نفهم العملية الإبداعية لتراك المهرجان الشعبي، رحنا عين شمس علشان نقابل واحد من أكتر مخرجين المهرجان المبدعين النهارده، محمد مختار، واللي صحابه بيسموه “مخ”، علشان المهرجان بيحتاج مخ وعضلات!

بيشتغل مختار مع مجموعة كبيرة من أهم صناع المهرجان في مصر، زيّ عمرو حاحا وفيجو والسادات وفيفتي الأسطورة وغيرهم من الناس اللي أبدعت في النوعية دي من المزيكا المصرية وبتشتغل على تطويرها طول الوقت. عمل مختار مجموعة من أهم الفيديو كليبات اللي شكلت مفهوم المهرجان الشعبي النهارده، بالذات من ناحية الـ visuals.

من أهم المهرجانات اللي أشتغل عليها مختار هو مهرجان “بلعب أساسي” لفيفتي الأسطورة، ومهرجان “شيماء” ليوسف سوستة، وغيرهم من المهرجانات اللي عملت ضجة كبيرة وقت نزولها وجذبت نظر الإعلام.

مخ عنده أستوديو تسجيل وفوق الأستوديو ده في أستوديو تاني بيعمل فيه اجتماعات الـ brainstorming. بيقول مختار إن الأستوديو اللي بيعمل فيه اجتماعاته الفنية بيمثل له الكبسولة الشخصية اللي بينعزل فيها عن العالم لما يكون عايز يبدع فكرة جديدة لفيديو كليب، فبيقعد لوحده يسمع التراك مرة ورا التانية ويفكر ازاي يقدر يحول التراك ده لفيديو كليب، وازاي يقدر يحول الصوت لـ visuals تعبر عنه وتنقل تجربة التراك من وجهة نظر مختار الفنية.

أول حاجة لفتت نظرنا في الأستوديو هي الديكور اللي عمله مختار بنفسه، كله handmade زيّ ما بيقول. الألوان الفسفورية الفاقعة على الحيطان وخليط من أيقونات الـ pop art المتوزعة بطريقة عشوائية بتعكس دماغ مختار ورؤيته الفنية المتسقة مع تيمة المهرجان الشعبي ككل، واللي بتدي انطباع سريع بالاختلاف والعشوائية المحبوكة مع حب الظهور والتميز بغض النظر عن قواعد الفن الارستقراطية.

بيقول مختار: “فيديو كليب “بلعب أساسي” عمل نقلة كبيرة للتلاتة اللي أشتغلوا عليه، أنا وفيفتي ومولوتوف، بسبب الضجة الكبيرة اللي عملها”. وضاف: “فيديو كليب شيماء برضه عمل نفس الضجة وجاتلنا طلبات من قنوات كبيرة علشان تعمل لقاءات معايا أنا وسوستة، زيّ MBC مصر وغيرها”.

وبيضيف مختار: “المهرجانين دول كانت تراكات الصوت بتاعتهم موجودة على اليوتيوب من قبل الفيديو كليب بكتير، ولكن مافيش واحد منهم جاب مشاهدات أكتر من كام ألف، لكن أول ما نزل الفيديو كليب وصلت المشاهدات لعشرات الملايين في وقت قصير جدًا وعملوا قلبان”. وبيوضح: “الفيديو كليب مهم جدًا علشان المزيكا توصل للجمهور، وعلشان كده دور المخرج في صناعة المهرجان محوري، وهو اللي بيحدد إذا كان المهرجان هيطرقع ولا هيتدفن”.

احكي لنا أكتر عن العملية الإبداعية لصناعة المهرجان

بيقول مختار إن سوستة كتب تراك “شيماء” وهو في الجيش سهران على ثكنة، وبعد ما أخد إجازة نزل سجل التراك صوت وجابه لمختار. وبيحكي مختار إنه قعد يسمع التراك ومافيش حاجة جاية في دماغة غير إن اللي بيغني ده هايم على وجهه في الشوارع في حالة حزن وبهدلة بيدور على شيماء، وعلشان كده قرر مختار إن الكليب لازم يتصور كده وفي شوارع مدينة السلام.

وبيوصف مختار إزاي خلال التصوير بدأ الارتجال يضيف للـ storyboard، من أول سوستة وهو مرمي على الرصيف وبيشرب سبريت لنهاية الفيديو وهو بيلاقي “شيماء” البطة بتاعته.

وبيضيف مختار: “الموضوع ممكن يبقى بسيط جدًا أو معقد جدًا، يعني ممكن فيديو كليب يتصور في أسبوع وممكن واحد تاني ياخد تلات شهور، علشان أحيانًا اللي بنصوره مش بيعكس الصورة اللي في دماغي أو مش بيعكس الصورة اللي في دماغ المطرب، وبالتالي بنضطر نبدأ من الأول بـ storyboard جديدة خالص”.

بتشتغل على إيه حاليًا؟

بيقول مختار إنه حاليًا بيشتغل على فيديو كليب جديد مع المطرب “آدم عسكري” وبيوضح: “آدم مطرب شعبي موهوب جدًا، وعنده مساحات كبيرة يقدر يبدع فيها، وله أغاني على اليوتيوب بس للأسف مش معروف أوي، وكلمني على تراك “دماغ سم” اللي كتبه بعد ما مر بتجربة قاسية، والتراك عجبني وحسيت فيه بمرارة التجربة اللي مر بها وقررت إن الفيديو كليب يكون انعكاس للتجربة دي”.

بيوضح مختار: “كتب آدم التراك ده بعد ما دخل الحبس تلات أيام في خناقة وعاش وقت صعب جوا الحبس، وعلشان مضمون التجربة دي واضح في التراك فأنا عايز أنقله زيّ ما هو بالظبط، ولكن من خلال صورة تجريدية للواقع، صورة تتناسب مع فيديو كليب مهرجان شعبي أكتر من مجرد واقع بحت”.

هل المهرجان الشعبي عنده قاعدة جماهيرية كبيرة؟

لما سألنا مختار السؤال ده رد بسرعة وعفوية: “ده كده كده، المهرجان النهارده بيلعب أساسي مع أشكال المزيكا التانية على الساحة، وقاعدته الجماهيرية لو ماكانتش أكبر من أي نوع تاني، فهي مش أقل بأي شكل من الأشكال”.

مختار، زيّ صناع مزيكا شعبية كتير، ممكن مايكونش عنده المعرفة الأكاديمية البحتة في صناعة المزيكا، ولكن عنده حاجة أهم من كده بكتير، وهي الحس الفني الخاص به هو وشريحة كبيرة جدًا من الشعب المصري، والدليل على ده إن المزيكا الشعبي بتشتغل في دار السلام وعين شمس ومدينتي والرحاب وإسكندرية وأسوان، وكل ركن في مصر من غير مبالغة.

الرأي والرأي الآخر في تأثير المهرجان الشعبي على الواقع المصري

بيشرح هادي بسيوني في فيديو “مراجعة المهرجانات الشعبية” ازاي الراب والمهرجان الشعبي بيعبروا عن نفس الرؤية الفنية ولكن باستخدام قاموس تعبيري مختلف، وبالطريقة دي فسر بسيوني الألفاظ الحادة اللي بيتم استخدامها في المهرجانات بالطبيعة اللفظية للشارع المصري.

ولكن يظل واحد من أهم الانتقادات اللي بتتوجه للمهرجان الشعبي هو المحتوى اللفظي الحاد والتشيئ الجنسي للمرأة. والتشيئ الجنسي هو النظر أو الترويج للمرأة على إنها سلعة جنسية بحتة في فصل كامل ما بين كونها فرد فعال في المجتمع وجسد ذو موضوعية جنسية، زيّ ما بتقول النظرية التشيئية لفريدريك وروبرتس سنة 1997.

وبخصوص التشيئ الجنسي للمرأة، فقدمت نورهان جمال أبو بكر دراسة بعنوان “التشيئ الجنسي للمرأة في المهرجان الشعبي” في كلية إعلام الجامعة الأمريكية في القاهرة، وفي دراستها جادلت أبو بكر إن المهرجانات الشعبية اللي بتتناول المرأة كتيمة أساسية لكلماتها بتميل لتشيئ المرأة وتحويلها لسلعة جنسية، سواء من خلال الألفاظ المستخدمة أو الفيديو كليب اللي بيعرض المرأة بنفس الطريقة. وبعد كده ربطت أبو بكر ما بين ارتفاع منسوب التحرش الجنسي في مصر خلال العشر سنين اللي فاتوا، وصعود فن المهرجان الشعبي على الساحة الفنية المصرية.

أما عن الألفاظ الحادة، فنشرت واحدة من الجرايد المصرية مقال في 2015 وصف المهرجانات بـ “خطر على الذوق العام ولا تحمل أي قيمة فنية”، وبدأ المقال بنسب رأي لبعض الموسيقيين والنقاد الفنيين بيقول إن المهراجانات “شيء رديء ومالهاش أي صلة بالغناء الشعبي”.

وذكر المقال إن الناقد الفني، طارق الشناوي، قال: “مجرد موضة وستنتهي، ففي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي كان النجوم حريصين على تقديم أغان بأصواتهم في الأفلام التي يشاركون في بطولتها، وأبرزهم عادل إمام ومحمود عبد العزيز ويسرا، والظاهرة انتهت عندما حدث للجمهور حالة من الإشباع، ولذلك أنا واثق أن ظاهرة الأغاني الشعبية وأغاني المهرجانات ستنتهي عندما يحدث للجمهور حالة من التشبع منها”.

وأما الناقد الموسيقي، حلمي بكر، فقال: “أرفض أن نطلق على ما تحتوي عليه هذه الأفلام أغاني، فهو شيء رديء لا يمت للغناء بصلة وليس له أي علاقة بالغناء الشعبي، للأسف هذه الأغاني تُمثل خطرًا على الذوق العام لأنها لا تحمل أي قيمة فنية”.

بيقول مخرج المهرجانات محمد مختار: “المهرجان كل يوم بيتطور أكتر”، وبيوضح: “الأول الناس اللي من طبقات فوق متوسطة وعليا في مصر كانوا بيهاجموا المهرجان ولكن دلوقتي بيسمعوه وحاضر في أفراحهم وبيجيبوا مغنيين المهرجانات في حفلاتهم، وبقى الوطن العربي بالكامل بيدفع تذاكر علشان يحضر حفلات مغنيين المهرجانات، وأصبح المهرجان دلوقتي بيلف العالم كله”.

بيقول هادي بسيوني إن الشباب اللي بتسمع موسيقى المهراجانات هي نفس الشباب اللي كانت مبهورة بالمحتوى الموسيقى لموكب المومياوات وكانت سبب في نجاحه، وهما نفس الشباب اللي لسه بتسمع أم كلثوم وفريد الأطرش، أما محمد مختار فبيقول إن حضور مهرجان العبد والوايلي على تتر مسلسل مارفل Moon Knight بيختصر كلام كتير بخصوص قيمة وتأثير المهرجان في العالم النهارده.

وبيضيف مختار: “أنا كنت دايمًا شايف ومتأكد إن المهرجان هيوصل لمكانة ماحدش يتخيلها أبدًا لإنه حاجة original
وصناعه مصرية 100%”.

أخر كلمة: ماتفوتوش قراءة: أزمات نقابة الموسيقيين مع مطربين المهرجانات والرابرز: مشاكل شخصية ولا خلاف على الذوق العام؟

تعليقات
Loading...
Tweet
Share
Share
Pin