في قلب القاهرة، حيث تختلط ضوضاء الشوارع مع صمت الأزقة القديمة، كان نجيب محفوظ يدخل عالماً آخر لا يراه سواه.
يفتح باب غرفته المتواضعة وكأنه يعبر إلى محراب سري، يضع قلمه على الورق فتتحول اللحظة العادية إلى عالم ينبض بالشخصيات والحوارات والأحداث.
لم تكن الكتابة عنده عادة تمارس كل صباح، بل طقسًا مقدسًا، يمزج فيه بين تأملات عابرة وصمت طويل وذاكرة مشبعة بوجوه الناس وحكاياتهم.
ومن بين تلك الطقوس، وُلدت روايات صنعت مجداً أدبياً خالداً، وأوصلته إلى قمة الأدب العالمي بجائزة نوبل.
هنا تبدأ الحكاية مع أسرار محفوظ، وكيف حوّل تفاصيله الصغيرة إلى أساطير روائية خالدة.
لا تفوّت قراءة: ما لا تعرفه عن عقوبة الاعتداء على الحيوانات في القانون المصري
طقوس نجيب محفوظ في مرحلة الوظيفة والانضباط الصارم
كان محفوظ شديد الالتزام بجدول حياته، إذ يروي: “في مرحلة الوظيفة كنت أفرغ من عملي في الثانية ظهرًا، أتناول الغداء وأستريح قليلاً، ثم أجلس بمكتبي في الرابعة وأكتب لمدة 3 ساعات، تليها 3 ساعات أخرى للقراءة. كنت أبدأ بالكتابة أولاً لأنني إذا أخرتها إلى ما بعد القراءة تصيبني بالصداع والأرق فلا أستطيع النوم، وكان عليّ أن أستيقظ مبكرًا للذهاب إلى العمل، وكان الموظف في تلك الأيام شديد الالتزام لا يستطيع أن يكون غير ذلك”.
لا تفوّت قراءة: 7 قواعد ذهبية للثراء: كيف تبني مستقبلك المالي؟
طقوس نجيب محفوظ في مرحلة البحث عن الموضوع والاستعداد النفسي

لم يكن جلوسه بالمكتب أمرًا سهلاً، إذ احتاج أن يتخمر الموضوع في ذهنه أولاً. يوضح: “كنت أفكر في تفاصيل الرواية أثناء العمل، في المشي، أو حتى أثناء تناول الطعام. الرواية في النهاية ليست سوى مجموعة تفاصيل صغيرة تتجمع لتكوّن العمل الكامل”.
وكان أحيانًا يجلس ساعة بالقلم من دون أن يكتب كلمة، ثم يأتيه الاستعداد مع التعود. حرص أيضًا على تدوين الأفكار العارضة في أوراق صغيرة، خصوصًا في مرحلته الواقعية حيث كان يلتقط تفاصيل من الشارع والمقهى، بينما انصب اهتمامه لاحقًا على الفكر.
لا تفوّت قراءة: أول وظيفة لنجيب ساويرس: كيف انتقل من غسيل الصحون بألمانيا إلى تأسيس شركته الخاصة؟
مراحل الكتابة عند نجيب محفوظ.. مرة معايشة لمدة أعوام للفكرة وأحيانًا من اللاشيء

يقول محفوظ إنه كتب معظم رواياته وهو في حالة من “دوامة الانفعال”، فالإلهام بالنسبة له ليس هبة سماوية تأتي متى شاءت وإنما عمل منظم وصبر طويل.
أحياناً تمكث الفكرة في ذهنه عاماً أو أكثر قبل أن يبدأ تنفيذها، فإذا جلس إلى مكتبه كان حريصًا على الاستمرار يومياً ساعة أو ساعتين حتى ينجز العمل.
كان يبدأ الكتابة الأولى بشكل شبه عفوي، ثم يعود في المرة الثانية ليعيد صياغة النص بشكل أعمق، بينما تظل الفكرة الأساسية ثابتة.
وفي مراحل مختلفة من تجربته، كتب محفوظ بأساليب متعددة، منها مرةً بعد معايشة طويلة للأحداث والناس، كنوع من البحث والتمهيد الواقعي.
ومرةً أخرى بدافع ذهني مباغت، ينطلق من فكرة صغيرة غامضة ويترك القلم ينساب، وأحياناً من “اللاشيء” تمامًا، لا يملك سوى الرغبة في الكتابة، ليترك للنص حرية التكوين أمامه.
لا تفوّت قراءة: كيف يحافظ محمد صلاح على جسمه الرياضي؟ سر قوته ولياقته العالية يكمن في اختيارات طعامه
طقوس الكتابة والإبداع: المشي حافي القدمين وصوت الست في الخلفية

ارتبطت جلساته بعادتين أساسيتين التدخين والموسيقى. بدأ بالشيشة في شبابه ثم انتقل إلى البايب، وأخيرًا إلى السجائر التي لم يتركها طوال الكتابة.
أما الموسيقى فكانت رفيقة ثابتة، وخصوصًا موسيقى أم كلثوم التي يضعها في الخلفية: “كنت أبدأ بالاستماع لها وأنا أتمشى في صالة البيت، ثم أدخل مكتبي للشروع في الكتابة”.
القهوة بدورها كانت عنصرًا لا غنى عنه؛ ثلاثة فناجين يوميًا: الأول عند البداية، الثاني تحضره زوجته بهدوء في منتصف الجلسة، والثالث قبيل الانتهاء.
وكان يشربها بلا سكر بسبب إصابته بالسكري. لم يفصل بين فنجان القهوة وسيجارته التي لا تفارقه أثناء الكتابة.
ماذا عن المكان الذي كتب فيه إبداعاته؟

كان يرى أن البيت هو مكان القراءة والكتابة والتأمل، المقهى للأصدقاء، والحديقة للطبيعة. لذلك لم يكتب رواياته إلا في مكتبه داخل البيت.
وكل أعماله خرجت من هناك باستثناء بعض أجزاء سيناريوهات كتبها في المقاهي. لم يستطع أبدًا أن يكتب خارج جدران منزله.
النظام والانضباط والإنتاج.. 6 ساعات يوميًا للكتابة والقراءة والتدوين بقلم “كوبيا”

آمن محفوظ بأن الإلهام وحده لا يكفي، وأن النظام هو مفتاح الإنتاج. خصص ست ساعات يوميًا للكتابة والقراءة، ما عدا الخميس والجمعة كإجازة. قبل التقاعد كتب مساءً من الرابعة حتى العاشرة.
وبعد المعاش أصبح يكتب صباحًا من العاشرة حتى الواحدة. كان يدون مسوداته الأولى على ورق “العرائض” بقلم كوبيا، ثم يبيضها على ورق أبيض بقلم حبر.
المسودة الأولى كانت سريعة، بينما التبييض كان أبطأ وأصعب لأنه يتطلب مراجعة دقيقة. وبعد الانتهاء كان يمزق المسودات فورًا ولا يحتفظ إلا بالنسخة النهائية.
والمعروف عن قلم كوبيا أنه كان سيدًا مهيمنًا فالمواثيق والعقود والمحاضر لم تكن تكتب إلا به، ولا يوجد موظف في عموم البلاد خلا جيبه من هذا القلم.
التفاصيل الخاصة.. حافي القدمين داخل حجرة مكتبه

عانى نجيب محفوظ من حساسية في الجلد والعين في الربيع والصيف، ما منعه من العمل في تلك الفترة، لكنه اعتبرها فرصة للراحة والتأمل.
أما الخريف والشتاء فكانا موسمي الكتابة الحقيقيين، حيث يبدأ مشروعًا جديدًا ويكرّس وقته حتى ينتهي قبل الصيف. كان يكتب في أجواء باردة مرتديًا ملابس ثقيلة، ويبقى حافي القدمين طوال الوقت داخل مكتبه.