تعد قصة ثروات العراق بعد غزو أمريكا مختبراً اقتصادياً مفتوحاً، لدراسة أثر النزاعات الكبرى على تدفقات رؤوس الأموال ومصادر الطاقة العالمية.
جاء التفكير في مراجعة هذا الملف بعد اختطاف رئيس فنزويلا، لاستكشاف آليات إدارة الموارد الطبيعية في ظل التحولات المتسارعة.
يرصد البحث حركة المليارات المودعة بصناديق التنمية، والتقارير الرقابية التي تناولت فجوات الإنفاق، مع مقارنة أسعار البرميل ببيانات البنك المركزي الرسمية.
تعتمد الدراسة على تتبع عقود الخدمة النفطية وسجلات المفتش العام، لتوضيح كيفية توزيع العوائد المالية بين الاحتياجات المحلية والالتزامات الدولية المفروضة.
يهدف المقال لتقديم عرض فني للوقائع، بعيداً عن الانحيازات، لفهم هيكلية الاقتصاد العراقي خلال عقدين من الزمن.
لا تفوت قراءة: من 8 آلاف دولار إلى أكثر من 50 مليار.. كيف صنعت الشقيقتان لبنى وحذام إمبراطورية العليان؟
لغز الـ 8.7 مليار دولار (أموال النفط المفقودة)

هذا الرقم لا يشير إلى ميزانية أمريكية، بل إلى أموال عراقية خالصة (عائدات نفط وبرنامج النفط مقابل الغذاء) كانت مودعة في صندوق (DFI).
- التفاصيل الاستفاضية: كشف تقرير المفتش العام (SIGIR) أن البنك الفيدرالي في نيويورك قام بشحن 12 مليار دولار نقداً على منصات خشبية. المشكلة لم تكن في الشحن، بل في “غياب سجلات التوزيع”.
- الأرقام: من أصل 9.1 مليار دولار خُصصت لوزارة الدفاع لإنفاقها على العراقيين، لم تتمكن الوزارة من إثبات أين ذهبت 8.7 مليار دولار.
- المصدر: تقرير المفتش العام رقم 10-020
لا تفوت قراءة: أغنية “فصلة” لفليبراتشي: كيف اجتاح الهيب هوب البحريني بوليوود؟

لا تفوت قراءة: 10 لاعبات عربيات يستحقن المتابعة في 2026.. صنعن الإنجازات في 2025 ويواصلن صنع التاريخ
ما الذي تقوله الأرقام بالنسبة لأسعار النفط؟ (تحليل لمس ثروة العراق)

- قبل الغزو (عقد التسعينات): كان سعر البرميل يتراوح بين 15$ و22$.
- بعد الغزو مباشرة: بدأت الأسعار في الصعود الجنوني لتصل إلى 147$ في 2008.
- حجم التدفق: هذا يعني أن العراق بدأ يجني أموالاً تزيد بـ 4 إلى 6 أضعاف عما كان يحلم به قبل 2003.
المفارقة: رغم أن سعر البرميل تضاعف عدة مرات، إلا أن المواطن العراقي لم يلمس تغييراً موازياً في البنية التحتية. والسبب هو ما ورد في تقرير “برهم صالح” وتقرير “SIGIR”؛ حيث ذهبت هذه الزيادات الهائلة في:
- التكاليف المستردة للشركات الأجنبية (التي ترتفع تكلفتها مع زيادة تعقيد العمل).
- الفساد الممنهج (تهريب الـ 150 مليار دولار).
- المصاريف التشغيلية الهائلة (رواتب الموظفين الوهميين والبيروقراطية).
لا تفوت قراءة: إطلالات الفساتين المنقوشة: كيف أصبحت سر أناقة الأميرة رجوة؟
ثروات العراق النفطية … قبل عام 2003 وبعد الغزو

كان العراق يتربع على احتياطي نفطي مؤكد يبلغ 115 مليار برميل، مما وضعه في المرتبة الثالثة عالمياً، مع تركز الكتلة الأكبر من هذه الثروة في البصرة (65 مليار برميل) وكركوك (13.5 مليار برميل).
كانت الدولة قادرة على تصدير نحو 2.5 مليون برميل يومياً خلال أواخر التسعينيات وأوائل الألفين، رغم الحصار الاقتصادي الخانق.
كما كانت التقديرات تشير إلى وجود ثروات هائلة غير مستكشفة في الصحراء الغربية قد ترفع الاحتياطي إلى 215 مليار برميل.

ومع سقوط بغداد نُهبت كلُ ثروات العراق!

في 2003 سارع اللصوص إلى دخول المتحف الوطني العراقي وعلى مدار الساعات الـ 36 التالية، نهبوا المتحف.
وصفت صحيفة نيويورك تايمز نهب المتحف و مجموعة من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن.
يعود العديد منها إلى الأيام الأولى للثقافة والحضارة الإنسانية، بأنها “واحدة من أعظم الكوارث الثقافية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث”.
على الرغم من أن موظفي المتحف كانوا يستطيعون تأمين أكثر من 8000 قطعة أثرية، إلا أن أكثر من 15 ألف قطعة تاريخية اختفت في غضون يومين.
لا تفوت قراءة: 7 أماكن شتوية في المغرب لا تفوت زيارتها خلال كأس الأمم الإفريقية 2025
150 مليار في لمح البصر

صرح الرئيس العراقي برهم صالح، بأن ما يقدر بنحو 150 مليار دولار من الأموال المسروقة قد جرى تهريبها إلى خارج العراق منذ الغزو.
وقال صالح “من بين ما يقرب من ألف مليار دولار جُنيت من النفط منذ عام 2003، هناك ما يقدر بنحو 150 مليار دولار من الأموال المسروقة هُرّبب”.
جاء هذا التصريح تزامناً مع تقديم الرئيس العراقي مسودة “قانون استرداد عوائد الفساد” إلى البرلمان العراقي.
لا تفوت قراءة: مترو الإسكندرية الجديد.. نقلة حضارية تغيّر شكل التنقل في عروس البحر المتوسط
ماذا حدث للاقتصاد العراقي بعد الغزو؟

شهد الاقتصاد العراقي تحولاً جذرياً ومؤلماً في عام 2003 نتيجة الغزو الأميركي، حيث تسببت الحرب في صدمة اقتصادية.
فقد انهار الناتج المحلي الإجمالي لينكمش الاقتصاد بنسبة هائلة بلغت 36.7%، وهو ما يعكس توقف الأنشطة الإنتاجية وتضرر البنية التحتية.
وبالتوازي مع هذا الانكماش، قفزت معدلات التضخم السنوي إلى مستويات قياسية لتصل إلى 65%.
مما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين مقارنة بفترة ما قبل الغزو (حيث كان التضخم يتراوح بين 5% و19% في الأعوام 2000-2002).
أما على صعيد العملة الوطنية، فقد سجل الدينار العراقي انهياراً تاريخياً في قيمته؛ فبينما كان سعر الصرف الرسمي قبل الغزو يبلغ 0.31 دينار مقابل الدولار.
تدهورت العملة بشكل حاد لتصل في الفترات اللاحقة (وحتى الآن) إلى مستويات تقارب 1310 دينار مقابل الدولار الواحد.
لا تفوت قراءة: من 8 آلاف دولار إلى أكثر من 50 مليار.. كيف صنعت الشقيقتان لبنى وحذام إمبراطورية العليان؟
تاثير بيئي على العراق

تشير تقدير جامعة براون إلى تكلفة بيئية عالية يتحملها العراق منذ بداية الغزو في عام 2003.
ممثلة في انبعاث 98 إلى 122 مليون طن متري من مكافئ ثاني أكسيد الكربون (MMTCO2e) من العمليات العسكرية الأميركية بين عامي 2003 و2021 في منطقة الحرب.

