بدأت حكاية يوم عيد الشرطة المصرية في لحظة فارقة يوم 25 يناير 1952، حين قرر أبطال مجهولون كتابة تاريخ الوطن بدمائهم الزكية أمام غطرسة المستعمر.
ب استدعت الذاكرة الوطنية قيم الكبرياء والكرامة التي ضحى من أجلها جيل كامل، لتظل معركة الإسماعيلية لوحة خالدة للأجيال.
فإن هذا اليوم لم يكن مجرد صدام عسكري، بل كان صرخة حرية دوت في أركان المحروسة لتعلن الرفض التام.
لا تفوت قراءة: من هو رفعت الأسد؟ “جزار حماة” وورقة الظل في تاريخ سوريا الدموي
نيران الغضب وإلغاء المعاهدة.. جذور الصراع
بدأت الأزمة الحقيقية بعد استجابة حكومة الوفد لمطالب الشعب، حيث أعلن رئيس الوزراء مصطفى النحاس في أكتوبر ١٩٥١ إلغاء معاهدة ١٩٣٦.
علاوة على ذلك، اشتعلت أعمال التخريب والأنشطة الفدائية ضد معسكرات الإنجليز، مما تسبب في حالة من الرعب والتوتر الشديد لدى قوات الاحتلال.

بالإضافة إلى ذلك، ترك أكثر من ٩١ ألف عامل مصري معسكرات البريطانيين، ورفض التجار إمدادهم بالمواد الغذائية كنوع من الكفاح الوطني الشامل.
قرر المستعمر البريطاني تصعيد الموقف العسكري، مهدداً باحتلال القاهرة ومنطقة القناة بالكامل إذا لم يتوقف نشاط الفدائيين المصريين البواسل.

لا تفوت قراءة: “بقى ليك بمبي” تكسر قواعد البوب السوداني وتصبح ظاهرة عالمية
شرارة التمرد وحرق “النافي”.. تصعيد الميدان

انطلقت أولى شرارات التمرد الشعبي بحرق مستودع تموين الإنجليز “النافي” بميدان عرابي، وذلك بعد مظاهرات عارمة ضمت العمال والطلبة الثائرين بالإسماعيلية.
بناءً عليه، ضيقت قوات الاحتلال الخناق على أبناء البلد، مما دفع المصريين لتنظيم جهودهم لمحاربة الوجود البريطاني بشتى الوسائل الممكنة والمتاحة.
ومن ناحية أخرى، أدرك البريطانيون أن الفدائيين يعملون تحت حماية الشرطة المصرية، فخططوا لتفريغ مدن القناة من أي غطاء أمني رسمي.
إضافة إلى ذلك، استدعى القائد “أكسهام” ضابط الاتصال المصري مسلماً إياه إنذاراً نهائياً بضرورة تسليم أسلحة الشرطة وإخلاء المنطقة والانسحاب فوراً.

لا تفوت قراءة: تريندات 2016 تتصدر المشهد في 2026.. جيل زد ينجذب إلى تريندات لم يعشها بالكامل
الرفض القاطع وصيحة “مصطفى رفعت”.. المواجهة
رفضت محافظة الإسماعيلية الإنذار البريطاني المهين، وأبلغت وزير الداخلية فؤاد سراج الدين، الذي أمر رجاله بالصمود والمقاومة حتى آخر طلقة لديهم.
حاصرت القوات البريطانية المدينة بالدبابات وقسمتها بأسلاك شائكة، لمنع وصول المدنيين ومساندة قوات الشرطة المحاصرة داخل مبنى المحافظة العريق.
علاوة على ذلك، جاء الرد الأسطوري من النقيب مصطفى رفعت، الذي صرخ في وجه القائد البريطاني قائلاً: “لن تتسلمونا إلا جثثاً هامدة”.
نتيجة لذلك، بدأت المجزرة الوحشية في السابعة صباحاً، حيث دكت مدافع الميدان والدبابات الضخمة مبنى المحافظة والثكنات بلا رحمة أو شفقة.
من المفارقات المثيرة حضور أسماء أصبحت فيما بعد نجوماً للسينما، تواجد صلاح ذو الفقار (الذي كان ضابطاً حينها) ضمن المجموعة التي أتت من القاهرة لتنظيم المقاومة الشعبية.


لا تفوت قراءة: من هو ليجي سي (Lege-Cy)؟ من كورال المدرسة إلى صوت جيل كامل
جحيم المدافع والصدور العارية.. سير المعركة
استمرت المعركة غير المتكافئة لأكثر من ست ساعات متواصلة، حيث واجه ٨٥٠ جندياً مصرياً ببنادقهم القديمة نحو ٧ آلاف جندي بريطاني مدجج.
بالإضافة إلى ذلك، انهمرت القنابل على المباني حتى حولتها لأنقاض، ورغم هذا الجحيم ظل الأبطال صامدين في مواقعهم يقاومون ببنادقهم العتيقة.
ومن هذا المنطلق، تخضبت الأرض بالدماء الطاهرة بعد نفاد الذخيرة، وسقط في المواجهة نحو ٥٦ شهيداً وأكثر من ٨٠ جريحاً مصرياً.
تم أسر من تبقى من الضباط والجنود وعلى رأسهم اللواء أحمد رائف، ولم يفرج عنهم الاحتلال إلا في فبراير ١٩٥٢.


لا تفوت قراءة: “عظمة على عظمة يا ست”.. جمل أيقونية خالدة من حفلات أم كلثوم
التحية العسكرية وإرث البطولات.. نتائج الملحمة
أبدى الجنرال البريطاني “أكسهام” إعجابه الشديد بشجاعة المصريين، مؤكداً أنهم قاتلوا بشرف واستسلموا بشرف، مما يفرض على الجميع احترامهم وتقدير تضحياتهم.
قامت فصيلة بريطانية بأداء التحية العسكرية لطابور رجال الشرطة عند خروجهم، تكريماً لصمودهم الأسطوري الذي أذهل القادة والجنود الأجانب.

ومن ناحية أخرى، خلدت الدولة هذه الذكرى بجعل ٢٥ يناير عيداً للشرطة، وأقرته إجازة رسمية تقديراً لجهود رجالها في حفظ الأمن.
أخيراً، يظل هذا اليوم رمزاً للتلاحم بين الشعب والشرطة، وذكراً ملهمة للأجيال المتعاقبة تدفعهم نحو مستقبل أفضل قائم على العزة والكرامة.


