سوق ديانا: عن تقاطعات القيمة التاريخية مع الحداثة

كل سبت من كل أسبوع تشهد “العتبة” بداية ونهاية سوق “ديانا”، يبدأ السوق من الساعة التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً وقد يمتد لساعة أو أكثر، ولكن مع نهاية المساء، يختفي السوق كأنه لم يكن موجودًا، وما بين الاختفاء والعودة الأسبوعية، حاولنا أن نرى كيف تغير السوق بفعل الزمن وتبدل ولكنه بقى كما هو مساحة لعرض الثمين والرخيص، قطع الأنتيكا وقطع حداثية للغاية كأجهزة إلكترونية مستعملة وساعات نادرة من ماركات عالمية، أما سبب تسميته بذلك يرجع إلى كونه يقع بجوار سينما “ديانا” بشارع عماد الدين بوسط البلد، ينقسم هذا السوق إلى مساحتين مساحة تضم الأنتيكات ومساحة ثانية تضم الكتب.

مساحة لعرض كل ما هو قيم

عادة يزور البعض وسط المدينة حتى يرى مداخل العمارات الشاهقة التي تدل على أصالة لا يقدر مرور الزمن على محوها، ولكن يتوقف الزمن عندما تجد سُكان هذه البنايات الشاهقة يجتمعون يوم السبت لعرض أنتيكات ورثوها من عائلتهم أو عملات نادرة حصلوا عليها أثناء رحلات سفرهم لأوروبا أو قارات أخرى، أو حتى آلات كتابة نادرة، أو أجهزة إذاعية “كاسيت” وشرائطها، وصناديق دهب كالتي كانت تظهر في أفلام الأبيض والأسود. وبعض من هذه الأشياء لا تعرض كلها تبعًا لمنطلق السوق الخاضع للبيع والشراء، فمثلًا قد يعرض زبون مبلغ طائل حتى يحصل على عملة مثلًا ويرفض صاحبها نظرًا إنه يراه لا يدرك قيمة هذا الشيء.

لذا قد تجد أنك غير مرحب بك في هذه المساحة لأنك تعامل بائعي الأنتيك أو العملات على أنهم بائعين عاديين وهذا يثير غضبهم ويجعلهم ينفرون منك حتى ولو ستساهم في تخلصهم من قطعة نادرة.

في هذه المساحة قد تجد أسلحة بيضاء منتمية لأزمنة تاريخية منقضية، المساحة قائمة على فكرة أن لكل مقهى زبائنه والبعض يفضل أن يعرض في مقاهي بعينها نظرًا لأنها تمثل له قيمة عاطفية ما، وبالرغم من وجود السوق على هذا الشكل إلا أنه أيضًا به بائعين لا يهمهم سوى البيع والشراء في المساحتين سواء الأنتيك أو الكتب.

القيمة قبل الثمن

السبت الماضي رأيت تاجر ساعات قيمة من ماركات عالمية رفض بيع ساعة لأن المشتري سخر من الرقم الذي حدده لسعرها لأنها -من وجهة نظر المشتري- ليست الساعة الخرافية، رفض أن تتم عملية البيع، أي أن السوق له قواعد يتحكم فيها إدراك القيمة قبل ثمن الشيء، وقد تقدر بعض الأشياء بسعر غير سعرها بالرغم من أن احتمالية حدوث هذا نادرًا، وومن مساحة الأنتيكات إلى مساحة الكتب.

مساحة تخفض سعر الكتاب أم لا تدرك قيمته.

بدت عادة أن تجد حسابات على الفيس بوك باسماء تحمل دلالة على إنه حساب يبيع كتب ورقية، ولكن وسط هذه الحسابات تجد من يكتبون: “كتب بأسعار مخفضة لطلبة العلم” أو عروض بأسعار مخفضة للمهتمين بالقراءة، أي أن الزبون المقصود هو قارئ جاد، أي المساحة لا تضم قراء يعاملون القراءة أنها وسيلة للتسلية، ويقول هذا أحد مؤسسي صفحة “هيباتيا” على الفيس بوك :” السوق يخلق مساحة للهامش، هامش القراء الذين لا يتعاملون مع الكتب على أنها سلعة، وهذا بدور ينعكس على سوق النشر بالتأكيد، السوق يوفر مساحة حقيقية لمن يسعون إلى الثقيف الذاتي، لذا هو ليس سوق خاضع لقوانين البيع والشراء”.

بينما يرى أحد أقدم زائرى هذا السوق الأمر بشكل مختلف، يقول “أ.إ”:” السوق بدأ من عدم قدرة تجار الأزبكية على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لكبر عمرهم، لذا، تم ضخ دماء جديدة عبر الفرصة التي منحها التجار القدامى للشباب بناءً على قدرتهم على استخدام وسائل التواصل بسهولة تامة، وربما الأسعار التي يجدها البعض رخيصة تباع في الأسوار المختلفة ك الأزبكية والسيدة زينب بأسعار أقل، فمثلًا تجد الكتاب مكتوب عليه ب 50 وهو في السوق يعرض بعشرة جنيهات” وربما من هذا نستنتج أن عملية ظهور الكتب إلى النور أو للزبون الذي لا يستطيع تقليب الكتب في الأسوار يحفز على بيع أسعارها بأسعار مضاعفة حتى ولو هذه الكتب أرخض من كتب المكتبات، ولم ينس “أ.إ”:” أن يشير إلى أن بعض الكتبجية لا يدركون قيمة الكتاب، والبعض الآخر يدرك ويرفع من سعر هذا الكتاب”، وليس من الصعوبة أن تجد كُتّاب حولك يقلبون الكتب بحثا عن نسخ لم يعاد طبعها من أعمالهم، أي بالرغم من كون تعامل البعض معه بمبدأ البيع أو الشراء، إلا إنه مساحة لإيجاد ما لا يمكن إيجاده بسهولة

تعليقات
Loading...