في شتاء البصرة القارس عام 1969، كانت أغنية هذه ليلتي أم كلثوم تنساب من مكبرات الصوت، لكنها لم تكن ليلة حب عادية.
بل كانت خلفية موسيقية لمشهد جنائزي هز وجدان المدينة، حين تحول الفن الرقيق إلى ستار شفيف يغطي قسوة المانشيتات السياسية.
ثمة مفارقة موجعة تكمن في اختيار كلمات جورج جرداق لترافق صعود الأجساد إلى أعواد المشانق، وكأن الزمن توقف فجأة.
لقد امتزج بحة صوت كوكب الشرق بصرخات الحشود، في لحظة تاريخية غامضة لم تستطع الذاكرة العراقية تجاوزها.
هذا التناقض الصارخ جعل الأغنية تتحول في الذاكرة الجمعية من قصيدة وجدانية إلى تدوينة صوتية لوقائع إعدام الجواسيس
لا تفوّت قراءة: أفضل أفلام السينما الإيرانية.. بينها أعمال حازت على الأوسكار
لماذا ارتبطت الأغنية بإعدام الجواسيس في البصرة عام 1969؟

وفقًا للأرشيف العراقي عاش سكان مدينة البصرة في كانون الثاني من عام 1969 تجربة نفسية فريدة، حيث اجتمع مشهد الإعدام العلني مع طرب أم كلثوم.
علاوة على ذلك، فقد تم بث الأغنية عبر مكبرات صوت ضخمة أحاطت بساحة أم البروم، مما جعل اللحن يتردد في كل زوايا الحديقة.
بالإضافة إلى ذلك، فقد كانت السلطات تهدف من وراء هذا الدمج إلى إضفاء طابع احتفالي شعبي على تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتهمين.
ونتيجة لذلك، ارتبطت الأبيات التي تتحدث عن “حلم الحياة” بصور الجثث المعلقة، مما خلق صدمة بصرية وسمعية.
ومن جهة أخرى، يرى المحللون أن هذا التوظيف للموسيقى كان يهدف لكسر حدة المشهد الدموي.
لا تفوّت قراءة: أفضل ألعاب قتال في 2026: استعد لأشرس المعارك على الإطلاق
من هم المتهمون الذين أعدموا على أنغام أغنية “هذه ليلتي” لأم كلثوم؟
شملت قائمة الإعدامات ثلاثة عشر شخصاً أدينوا بتهمة التجسس لصالح الموساد الإسرائيلي، من بينهم تسعة من المواطنين العراقيين الذين ينتمون للديانة اليهودية.
وبناءً عليه، فقد تصدر المشهد تاجر شهير من البصرة يبلغ من العمر واحداً وأربعين عاماً، اعتبره الادعاء العراقي حينذاك رأس الشبكة.
ومن الجدير بالذكر أن الشاب جمال صبيح الحكيم كان بين المعدومين، وبدا في الشهادات التاريخية كأنه غارق في نوم عميق.
وفي السياق ذاته، حضر مراسم التنفيذ في بغداد صدام حسين، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية.
لا تفوّت قراءة: أكثر 10 أغاني استماعًا في مارس 2026: ليجي-سي وغالية وتووليت في الصدارة
كيف وصف الجلاد أبو ناطق كواليس تنفيذ الإعدامات وصدى أغنية “هذه ليلتي” لأم كلثوم؟

يروي الجلاد الشهير أبو ناطق، الذي أمضى خمسين عاماً في مهنته، تفاصيل تلك الليلة التي بقيت محفورة في ذاكرته.
ومن الواضح أن التنفيذ بدأ بعد نصب المشانق، حيث رفض أحد المتهمين ارتداء البدلة الحمراء وتمت السيطرة عليه بالقوة.
وفضلاً عن ذلك، يؤكد أبو ناطق أن الأغنية كانت تعاد مراراً وتكراراً، مما جعل كلماتها تكتسب طابعاً جنائزياً غريباً ومقبضاً.

لا تفوّت قراءة: أفضل أغاني وطنية لبنانية تروي حكاية وجع لا ينتهي وأمل لا يموت
ما هو تأثير سماع أغنية هذه ليلتي أم كلثوم على ذكريات العراقيين اليوم؟

تسبب هذا الحدث في خلق حالة من النفور النفسي لدى شريحة واسعة من البصريين، الذين باتوا يربطون الأغنية بصور الموت والدم والدخان.
وعلى وجه الخصوص، يذكر الشهود أنهم لم يعودوا يطيقون سماع صوت أم كلثوم في تلك الأغنية تحديداً.
وبالمقارنة مع أحداث أخرى، تظل واقعة ساحة أم البروم الأكثر تأثيراً، لأنها شوهت الجمال الفني برمزية سياسية كانت غارقة في القسوة والوحشية.
مشروع “الأرشيف العراقي للمطبوعات” صاحب مصدر هذه القصة يعرف عن نفسه كمبادرة ثقافية وتوثيقية تهدف إلى حفظ واستعادة الذاكرة المطبوعة للعراق.
عبر أرشفة المجلات، الصحف، المنشورات الكتب النادرة، والإصدارات الرسمية والشعبية التي رافقت الحياة العراقية على مدار عقود

